كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ} وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَيْمَانَ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ لِأَنَّ حَالَ الْمَوْتِ لَيْسَ حَالًا لِلْأَيْمَانِ.
ثُمَّ زَادَ بِذَلِكَ بَيَانًا بِقَوْلِهِ: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: إنْ لَمْ يُوجَدْ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ؛ وَلَا يَخْتَلِفُ فِي حُكْمِ الْيَمِينِ وُجُودُ ذَوِي الْعَدْلِ وَعَدَمُهُمْ.
وقَوْله تَعَالَى: {وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ} يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مَوْجُودَةٌ ظَاهِرَةٌ غَيْرُ مَكْتُومَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ يَمِينَ الْوَرَثَةِ بَعْدَ اخْتِلَافِ الْوَصِيِّينَ عَلَى مَالِ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا الشَّهَادَةُ الَّتِي هِيَ الْيَمِينُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} ثُمَّ قَوْلُهُ: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} يَعْنِي بِهِ الشَّهَادَةَ عَلَى الْوَصِيَّةِ؛ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ: «أَنْ تَأْتُوا بِالْيَمِينِ عَلَى وَجْهِهَا».
وقَوْله تَعَالَى: {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ شَهَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الشَّهَادَةَ وَالْيَمِينَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِحَقِيقَةِ لَفْظِهَا.
فَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}: مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ؛ فَلَا مَعْنَى لَهُ وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِلَفْظِ الْإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِلْقَبِيلَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} قَالَ: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} يَعْنِي مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَجْرِ لِلْقَبِيلَةِ ذِكْرٌ حَتَّى تَرْجِعَ إلَيْهِ الْكِنَايَةُ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكِنَايَةَ إنَّمَا تَرْجِعُ إمَّا إلَى مَظْهَرٍ مَذْكُورٍ فِي الْخِطَابِ أَوْ مَعْلُومٍ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ هُنَا دَلَالَةٌ عَلَى الْحَالِ تَرْجِعُ الْكِنَايَةُ إلَيْهَا يَثْبُتُ أَنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْخِطَابِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَصَحَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاقْتَضَتْ الْآيَةُ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَشُرَيْحٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وُجُوهٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَشْبَهَهَا بِمَعْنَى الْآيَةِ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «خَرَجَ رِجْلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيٍّ بْنِ بَدَاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامٌ فِضَّةٌ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَأَنَّ الْجَامَ لَصَاحِبِهِمْ، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}.
فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدِيًّا»
لِأَنَّ الْوَرَثَةَ اتَّهَمُوهُمَا بِأَخْذِهِ، ثُمَّ لَمَّا ادَّعَيَا أَنَّهُمَا اشْتَرَيَا الْجَامَ مِنْ الْمَيِّتِ اسْتَحْلَفَ الْوَرَثَةَ وَجَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُمْ فِي أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ وَأَخَذُوا الْجَامَ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ أَبُو مُوسَى فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الذِّمِّيِّينَ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُنْذُ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْآنَ، هُوَ هَذِهِ الْقِصَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي بَقَاءِ حُكْمِ جَوَازِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى وَشُرَيْحٍ: «هِيَ ثَابِتَةٌ» وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}: إنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا الْآيَةَ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْهُمْ بَقَاءُ هَذَا الْحُكْمِ أَوْ نَسْخُهُ وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْله تَعَالَى: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} قَالَ: «كَانَ ذَلِكَ فِي رِجْلٍ تُوُفِّيَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَالْأَرْضُ حَرْبٌ وَالنَّاسُ كُفَّارٌ، إلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ؛ فَكَانَ النَّاسُ يَتَوَارَثُونَ بِالْمَدِينَةِ بِالْوَصِيَّةِ ثُمَّ نُسِخَتْ الْوَصِيَّةُ وَفُرِضَتْ الْفَرَائِضُ وَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا».
وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا: {وَأَشْهَدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَرَوَى ضَمْرَةَ بْنُ جُنْدُبٍ وَعَطِيَّةَ بْنُ قَيْسٍ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا».
قَالَ جُبَيْرُ بْنُ نَفِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «الْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَلَالٍ فَاسْتَحَلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرَامٍ فَاسْتَحْرِمُوهُ».
وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مُيَسَّرَةَ قَالَ: «فِي الْمَائِدَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ فَرِيضَةً وَلَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ».
وَقَالَ الْحَسَنُ: «لَمْ يُنْسَخْ مِنْ الْمَائِدَةِ شَيْءٌ».
فَهَؤُلَاءِ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ شَيْءٌ مَنْسُوخٌ.
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَصِيَّةِ بَيْعٌ أَوْ إقْرَارٌ بِدَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ بِشَيْءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، هَذَا كُلُّهُ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَصِيَّةِ إذَا عَقَدَهُ فِي مَرَضِهِ؛ وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَازَ شَهَادَتَهُمَا عَلَيْهِ حِينَ الْوَصِيَّةِ لَمْ يُخَصِّصْ بِهَا الْوَصِيَّةَ دُونَ غَيْرِهَا، وَحِينَ الْوَصِيَّةِ قَدْ يَكُونُ إقْرَارٌ بِدَيْنٍ أَوْ بِمَالِ عَيْنٍ وَغَيْرُهُ لَمْ تُفَرِّقْ الْآيَةُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْهُ.
ثُمَّ قَدْ رُوِيَ أَنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ قَوْمٌ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْمَائِدَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ: «مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ»: مِنْ آخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجُمْلَةِ، لَا عَلَى أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْهَا مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ.
وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَآيَةُ الدَّيْنِ لَا مَحَالَةَ نَاسِخَةٌ لِجَوَازِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ، لِقَوْلِهِ: {إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} إلَى قَوْلِهِ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ لَا مَحَالَةَ، لِأَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِاسْمِ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ بِهَا حَالَ الْوَصِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا، فَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْجَمِيعِ؛ ثُمَّ قَالَ: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ} وَلَيْسَ الْكُفَّارُ بِمَرْضِيِّينَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَتَضَمَّنَتْ آيَةُ الدَّيْنِ نَسْخَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السَّفَرِ وَفِي الْحَضَرِ وَفِي الْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا؛ فَانْتَظَمَتْ الْآيَةُ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ، وَمِنْ حَيْثُ دَلَّتْ عَلَى جَوَازِهَا عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ فَهِيَ دَالَّةٌ أَيْضًا عَلَى وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ، ثُمَّ نُسِخَ فِيهَا جَوَازُهَا عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ بِآيَةِ الدَّيْنِ وَبَقِيَ حُكْمُهَا عَلَى الذِّمِّيِّ فِي السَّفَرِ وَغَيْرِهِ؛ إذْ كَانَتْ حَالَةُ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ الشَّهَادَاتِ وَعَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ لِأَنَّ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَيْهِمَا وَأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى وَصِيتِهِ؛ وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَصِيِّ فِيمَا فِي يَدِهِ لِلْمَيِّتِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُمَا عَلَى ذَلِكَ اُسْتُحْلِفَا؛ وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ دَعْوَاهُمَا شَرَى شَيْءٍ مِنْ الْمَيِّتِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَرَثَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَبِعْ ذَلِكَ مِنْهُمَا مَعَ أَيْمَانِهِمْ.
قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: أَقْرَبُ أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُبَدِّلُوا، {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} يَعْنِي: إذَا حَلَفَا مَا غَيَّرَا وَلَا كَتَمَا ثُمَّ عُثِرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ عِنْدَهُمَا، أَنْ تُجْعَلَ أَيْمَانُ الْوَرَثَةِ أَوْلَى مِنْ أَيْمَانِهِمْ بَدِيًّا أَنَّهُمَا مَا غَيَّرَا وَلَا كَتَمَا، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَاءٍ.
وقَوْله تَعَالَى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَقَتَادَةَ: اُسْتُحْلِفَا بَعْدَ الْعَصْرِ؛ وَإِنَّمَا اُسْتُحْلِفَا بَعْدَ الْعَصْرِ تَغْلِيظًا لِلْيَمِينِ فِي الْوَقْتِ الْمُعَظَّمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} قِيلَ صَلَاةُ الْعَصْرِ؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ اسْتَحْلَفَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَقَدْ رُوِيَ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ بِالِاسْتِحْلَافِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُعَظَّمَةِ.
وَرَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ هَذَا الْمِنْبَرِ عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ»؛ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ أَعْظَمُ مَأْثَمًا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَوَاضِعِ الْمَوْسُومَةِ لِلْعِبَادَاتِ وَلِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِكْرِهِ فِيهَا تَكُونُ الْمَعَاصِي فِيهَا أَعْظَمَ إثْمًا، أَلَا تَرَى أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ وَالزِّنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَفِي الْكَعْبَةِ أَعْظَمُ مَأْثَمًا مِنْهُ فِي غَيْرِهِ؟ وَلَيْسَتْ الْيَمِينُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَفِي الْمَسْجِدِ فِي الدَّعَاوَى بِوَاجِبَةٍ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّرْهِيبِ وَتَخْوِيفِ الْعِقَابِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ؛ وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَبِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْحَضْرَمِيِّ: لَك يَمِينُهُ قَالَ: إنَّهُ رِجْلٌ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي، قَالَ: لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَلَمَّا أَدْبَرَ لِيَحْلِفَ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» وَبِحَدِيثِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَفِيهِ: فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ.
فَقَالُوا: قَوْلُهُ: «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ هَذَا الْمِنْبَرِ عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَيْمَانَ قَدْ كَانَتْ تَكُونُ عِنْدَهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَسْنُونٌ.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ يَجْلِسُ هُنَاكَ، فَلِذَلِكَ كَانَ يَقَعُ الِاسْتِحْلَافُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَالْيَمِينُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ أَعْظَمُ مَأْثَمًا إذَا كَانَتْ كَاذِبَةً لِحُرْمَةِ الْمَوْضِعِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ؛ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَسْتَحْلِفُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ: «وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ» فَقَدْ خَالَفَ الْخَبَرَ عَلَى أَصْلِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «انْطَلَقَ لِيَحْلِفَ» وَأَنَّهُ لَمَّا أَدْبَرَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ، فَإِنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى الْمَوْضِعِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْعَزِيمَةُ وَالتَّصْمِيمُ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} لَمْ يُرِدْ بِهِ الذَّهَابَ إلَى الْمَوْضِعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّوَلِّيَ عَنْ الْحَقِّ وَالْإِصْرَارَ عَلَيْهِ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي الْحَلِفِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ الْحُكُومَةَ هُنَاكَ وَلَا يُنْكَرُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ هُنَاكَ أَغْلَظُ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَلَمْ يُخَصِّصْهَا بِمَكَانٍ؛ وَلَكِنَّ الْحَاكِمَ إنْ رَأَى تَغْلِيظَ الْيَمِينِ بِاسْتِحْلَافِهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاسْتِحْلَافِ هَذَيْنِ الْوَصِيَّيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْكُفَّارِ يُعَظِّمُونَهُ، وَوَقْتُ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
فَصْلٌ:
قَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الدَّلَالَةَ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا قَدْ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَجْوَزُ فَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ؛ وَلَمَّا نُسِخَ مِنْهَا جَوَازُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} إلَى قَوْلِهِ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} نَفَى بِذَلِكَ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ، وَنَسَخَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} وَبَقِيَ حُكْمُ دَلَالَتِهَا فِي جَوَازِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُهَا بَاقِيًا فِي جَوَازِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ اقْتَضَى ذَلِكَ جَوَازَهَا عَلَيْهِمْ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يُجِيزُهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَمَنَعَ جَوَازَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ أَجَازَهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيَّ وَالْأَوْزَاعِيُّ يُجِيزُونَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَشُرَيْحٍ، وَلَا يُجِيزُونَهَا عَلَى الذِّمِّيِّ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ.
قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَاقِيَةٌ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَقَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَالثَّوْرِيِّ؛ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ وَصَالِحُ وَاللَّيْثُ: «تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَجُوزُ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِهَا».
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكُفْرِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ».
وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلَالَةِ الْآيَةِ يَقْتَضِي تُسَاوَيْ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِلَلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} يَعْنِي غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَبْدُوءِ بِذِكْرِهِمْ، وَلَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الْمِلَلِ.
وَمِنْ حَيْثُ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الْمِلَلِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ، وَهِيَ دَالَّةٌ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ فِي ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ.
وَمِمَّا يُوجِبُ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ، مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ «الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْهُمْ زَنَيَا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْمِهِمَا».